السيد محمد تقي المدرسي
285
من هدى القرآن
أما الذي يعتقد بالدنيا وحدها فسعيه سوف يكون من أجل إشباع الشهوات ، وجمع الزينة ، وستزيده زينتها انغماسا فيها وبعدا عن الحق . ومن مظاهر الاهتمام الزائد بالزينة التوجه إلى القشور ، على حساب اللباب . في حين أن المؤمن بالآخرة يحس بالمسؤولية فلا يسترسل في اتباع شهواته ، ولا يندفع في الزينة التي تخالف بمصالحه الحقيقية . وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ والتفاخر هو الآخر مما يتلهى به الإنسان ويستعيض به عن أهدافه الحقيقية ، وإذا كان اللعب واللهو والزينة تحكي الجانب الفردي من الاغترار بالدنيا ، فإن التفاخر هو الجانب الاجتماعي للحالة ذاتها ، ويأتي التفاخر نتيجة مباشرة للافتتان بالزينة إذ يرى الشخص نفسه كاملا وأفضل من غيره من خلالها ، فيركبه الخيلاء والفخر . ثم تتحول هذه الحالة النفسية الاجتماعية إلى فعل خارجي يمارسه المختال الفخور ليثبت عظمته على غيره من خلال التكاثر والتسابق المادي ، قال تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً ( 32 ) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً ( 33 ) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَراً ( 34 ) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً ( 35 ) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [ الكهف : 32 - 36 ] . انظر هكذا يتحول حب الدنيا وزينتها إلى حالة نفسيه داخلية ( الغرور والظلم ) فاجتماعية ( التباهي والتفاخر ) وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ الممتلكات من العملات والعقارات ، والمشاريع وما أشبه ، وَالأَوْلادِ الأبناء والأنصار ، وقد يتحول هذا التسابق صراعا بين الناس في أغلب الأحيان ، ويركِّز فيهم حب الدنيا ضمن أطر سياسية واجتماعية واقتصادية ، وأظهر صورة صراع القوى الاستكبارية وتسابقها في نهب ثروات العالم ، واستغلالهم في صالحها ، والسيطرة عليهم بضمهم إلى نفوذها . تعالوا نُمعن النظر في هذه الحياة الدنيا التي استحوذت على أفئدتنا ( هذا اللعب واللهو ، هذه الزينة ، وهذا التفاخر والتكاثر ) ما هي عاقبتها ؟ بل ما هي حقيقتها بل هل لها - أساسا - حقيقة أم أنها أضغاث أحلام تراود النائمين فإذا ماتوا انتبهوا ، وعرفوا أنها لم تكن سوى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، أو حفنة رماد في كف الإعصار ؟ . ولكن أنى لنا أن نفكر في الدنيا ولا زلنا في أسر سحرها الجذاب ؟ ! لا تكاد لحظة تمر علينا إلا ونحن في دوامة أُمنية نسعى إليها ، أو فتنة نعيش في لهبها ، أو صراع نحترق في أتونه ، وحتى في النوم تلاحقنا كوابيس النهار في صورة أحلام مزعجة ! إذن كيف الخلاص من أغلال هذه الشهوات لنفكر بحرية وموضوعية في واقعنا ؟ .